
أبويا وأمي رفضوا يدوني 250 ألف جنيه عشان ألحق أعمل عملية في رجلي. أبويا قالي ببرود: “انا لسه شاري الشاليه بتاع الساحل، السيولة ضايعة”، وأمي كملت فوقيها: “يا ليلى، الوجع بيعلم المسؤولية، جمدي قلبك”، وأختي الكبيرة “هنا” ضحكت وقالت لي: “عادي يا ليلى، بكره تخفي وتبقى زي الفل”. الوحيد اللي وقف جنبي كان أخويا الصغير “ياسين”، جه ووشه في الأرض وقالي: “أنا بعت عِدّة الميكانيكا بتاعتي كلها، ودول 40 ألف جنيه.. ده كل اللي حلتي”. مكنتش متخيلة اللي هيحصل بعد كده.
كنت لسه بهدوم الشغل، عرقانة وتعبانة ومنهارة من الوجع، لما أبويا قالي بهدوء قاتل إن رجلي متساويش المبلغ ده! قالولي: “إحنا لسه شاريين الشاليه يا حبيبتي، والوقت مش مناسب خالص، وبعدين إنتي لسه صغيرة، هتتعودي على العرجة مع الوقت مش قضـ ـية”. ده كان تمن مستقبلي. الدكتور قالي قدامك أسبوع: يا تعملي العملية يا إما عجز مستديم. بس بالنسبة لأبويا وأمي، “شاليه” في قرية سياحية هما أصلاً مبيسافروش كتير، كان أهم من إن بنتهم تمشي على رجليها.
قفلت السكة في وشهم. رحت استلفت بضمان مرتبي عشان أنقذ نفسي. وفي الوقت اللي أخويا “ياسين” – اللي شغال ميكانيكي يدوب بيكفي يومه – باع فيه لقمة عيشه (العدة بتاعته) عشان يديني الـ 40 ألف، كان أبويا وأمي بيحتفلوا بالشاليه الجديد وبيشربوا قهوتهم على البحر. بس الدنيا دوارة.. تذكرة “يانصيب” كنت شارياها بالصدفة وأنا بجيب مسكن من بنزينة، غيرت كل حاجة. مصرختش، ولا كلمت حد من البيت أفرحه. رحت لأكبر مكتب محاماة في القاهرة، من المكاتب اللي تكلفتها لوحدها ثروة. المحامي كان بيبص لرجلي اللي متجبسة وهدوم الشغل البسيطة بشك، قمت مطلعة تذكرة المكسب وحطيتها قدامه مع طلباتي.
قلتله بصوت ثابت: “عايزة أحمي كل ممتلكاتي، وعايزة حاجة تانية.. عايزة فحص مالي شامل وتفتيش قانوني ورا كل مليم عند أبويا وأمي. عايزة أعرف كل قرش داخل وخارج، وكل مديونياتهم”. المحامي رفع نضارته وبصلي بذهول: “إنتي عارفة إن تحقيق زي ده معناه إعلان حرب رسمية على أهلك؟” بصيت لرجلي المكسورة، وافتكرت الشاليه، وافتكرت ورشة أخويا الفاضية من العدة، وقلتله وأنا عيني في عينه: “عارفة.. احفر وراهم، ومتقفش غير لما تجيب قرارهم”. بصيت لرجلي المتجبسة، وافتكرت صوت أبويا وهو بيقول ببرود:
“رجلك متساويش 250 ألف.” وقتها حسيت إن القرار اتاخد من جوايا خلاص. المحامي سكت شوية… وبعدين قال: “طيب يا آنسة ليلى… هنبدأ فورًا.” خلال أسابيع قليلة، اتعملت العملية. الدكتور قال إننا لحقناها في آخر لحظة… لو كنا اتأخرنا شوية بس، كنت هفضل أعرج طول عمري. الفلوس اللي كسبتها من تذكرة اليانصيب كانت كفاية تعالجني… وتكفّي كمان تبدأ حياة جديدة. أول حاجة عملتها… اشتريت لياسين ورشة ميكانيكا كاملة. مش بس رجعت له العِدّة اللي باعها… جبت له أحدث معدات في السوق، وعلّقت على باب الورشة لافتة مكتوب عليها:
“ورشة ياسين – الراجل اللي باع رزقه عشان ينقذ أخته.” ياسين يومها وقف قدام الورشة وساكت… وعينيه مليانة د.موع. قال لي: “ليه كل ده يا ليلى؟ أنا عملت أقل حاجة.” ابتسمت وقلت: “إنت الوحيد اللي شافني بني آد.م.” — بعد شهر تقريبًا… المحامي اتصل بيا. صوته كان جدي جدًا: “التحقيق خلص… واللي اكتشفناه أكبر مما تتخيلي.” طلع إن أبويا وأمي كانوا غرقانين في ديون ضخمة. الشاليه اللي اشتروه… كان بقرض كبير، ووراهم شيكات وأقساط متراكمة.
وكانوا رافضين يساعدوني… لأنهم ببساطة كانوا بيحاولوا يبانوا أغنيا قدام الناس. مش قدام بنتهم. — بعدها بأسبوعين… باب شقتي خبط. فتحت… لقيت أبويا وأمي وهنا واقفين. وشوشهم كانت مختلفة… الغرور اللي كنت بشوفه فيهم اختفى. أمي قالت بصوت مكسور: “إحنا عرفنا إنك كسبتي فلوس كبيرة… وإحنا في مشكلة.” هنا كملت بسرعة: “البنك هيحجز على الشاليه… وإحنا محتاجين مساعدة.” سكت شوية… وبعدين بصيت لرجلي. نفس الرجل اللي قالوا لي أعرج بيها باقي عمري. قلت بهدوء: “فاكرين لما طلبت 250 ألف عشان أمشي على رجلي؟”
ولا واحد فيهم رد. قلت: “الوجع بيعلم المسؤولية… مش كده يا ماما؟” وش أمي اصفر. وبعدين قلت الكلمة اللي ما توقعتش يوم أقولها: “أنا مش هديكم فلوس.” سكتوا كلهم. كملت بهدوء: “بس في حاجة هعملها…” طلعت عقد من الملف اللي جنبي. “هسدد كل ديونكم… مقابل إن الشاليه يتسجل باسم ياسين.” هنا انفجرت: “إيه؟! ده شاليه العيلة!” بصيت لها وقلت: “العيلة؟ العيلة هي اللي تبيع عِدّتها عشانك… مش اللي تبيعك عشان شاليه.” أبويا سكت طويل… وبعدين لأول مرة في حياتي… وطّى راسه.
— بعد شهر… الشاليه بقى باسم ياسين. وأنا؟ رجلي خفت… ورجعت أمشي طبيعي. بس أهم حاجة اتعلمتها في القصة دي… إن اللي يقف جنبك وقت الوجع… هو العيلة الحقيقية. — عدّى وقت… والحياة بدأت تهدى شوية. ياسين بقى يفتح الورشة من الفجر، والزبائن بقوا يتجمعوا عنده لأن سمعته بقت طيبة. أما أنا، فكنت بعمل جلسات العلاج الطبيعي كل يوم… وكل خطوة كنت باخدها برجلي كانت بتفكرني بحاجة واحدة: إن ربنا أنقذني في آخر لحظة. لكن القصة ما انتهتش هنا.
بعد حوالي ستة شهور… كنت قاعدة في المكتب بتاع الشركة اللي بدأت أستثمر فيها جزء من الفلوس، لما سكرتيرتي دخلت وقالت: “في حد بره عايز يقابلك… بيقول إنه والدك.” اتجمدت لحظة. طلبت منها تدخله. دخل أبويا… بس ماكانش نفس الشخص اللي شفته طول عمري. هدومه أبسط، وشه متعب، وعينيه فيها حاجة غريبة… يمكن ند.م. وقف قدامي شوية ومش عارف يبدأ الكلام. وأخيرًا قال: “أنا… كنت غلطان.” الجملة دي لو كنت سمعتها زمان، كنت يمكن أعيط.
لكن ساعتها… ما حسّتش بحاجة تقريبًا. قعد قدامي وكمل: “لما الشاليه راح… ولما الناس اللي حوالينا اختفوا… فهمت حاجات كتير.” سكت شوية وبعدين قال بصوت واطي: “إنتي طلبتي 250 ألف عشان تمشي… وأنا رفضت.” أنا ما رديتش. قال: “أنا جاي مش عشان فلوس… أنا جاي عشان أسألك: ممكن تسامحيني؟” بصيت له طويل. افتكرت يوم ما خرجت من البيت وأنا مش قادرة أمشي… وافتكرت ياسين وهو بيسلمني الأربعين ألف بإيده المرتعشة. قلت بهدوء: “أنا مش شايلة كره.”
ارتاح شوية لما سمعها. لكن كملت: “بس في فرق بين المسامحة… والرجوع زي الأول.” سكت. قلت: “اللي حصل علّمني إن الاعتماد الحقيقي بيكون على ربنا… وعلى الناس اللي بتختارك في أصعب وقت.” وقف أبويا ببطء… وكأنه فهم الرسالة. وقبل ما يمشي قال: “أنا فخور بيكي… حتى لو اتأخرت أقولها.” — بعد ما خرج… بصيت من الشباك. لقيت ياسين واقف تحت مستنيني بالعربية القديمة بتاعته، اللي لسه رافض يغيرها رغم إنه بقى يقدر يشتري أحسن منها.
لما ركبت قال لي وهو بيضحك: “جاهزة نروح؟” قلت له: “نروح فين؟” ابتسم وقال: “الشاليه… بتاعنا.” ضحكت. المكان اللي كان سبب وجعي زمان… بقى النهارده مكان بنروحله أنا وأخويا عشان نشرب قهوة على البحر. وساعتها فهمت حاجة مهمة جدًا: ربنا أحيانًا بيقفل باب في وشك… بس بيفتحلك بحر كامل. 🌊

