
سيد وعلاء بصولي والذهول شل لسانهم، سوزي وقعت منها كوباية الشاي، وهاني ساب الموبايل وفتح بوقه.. العشر سنين اللي قضيتهوم في خدمة “الحج إبراهيم”، مكنوش خدمة، دول كانوا “تدريب” على إزاي أقف في وش ذئاب زيكم وأكلهم قبل ما ياكلوني! ساد الصمت في الأوضة لدرجة إن الواحد كان يسمع صوت “نفسهم” اللي بدأ يتقطع من الصدمة. علاء قام وقف، وشه جاب ألوان الطيف من الغيظ، وزعق: “إنتي بتقولي إيه يا ولية إنتي؟ حسابات إيه وأملاك إيه؟ الحاج إبراهيم مكنش مغفل عشان يكتب الحلال كله لغريبة ويطلعنا إحنا الميراث الفكة!”
بصيتله ببرود، طلعت من شنطتي “دوسيه” تقيل رميته قدامهم على الطاولة، وصوت الورق وهو بيخبط كان زي طلقات الرصاص: “الحج إبراهيم مكنش مغفل فعلاً يا علاء.. كان ذكي، وكان عارف إن ولاده اللي خايفين على ‘هدومهم’ من ريحة المطهر، مش هيصونوا تعبه. الدوسيه ده فيه عقود بيع مسجلة وموثقة قبل وفـ,ـاته بسنة كاملة، يعني الحاج مكنش بيورثكم، كان بيأمن مستقبله ومستقبلي أنا، اللي كنت بنته اللي بجد، مش اللي جاية تستنى ‘الهبرة’.” سيد كان واقف مذهول، عينيه بتتحرك بيني وبين الورق، صوته طلع مكسور: “يا نادية.. ده أنا جوزك، ده إحنا عشرة عمر!”
ضحكت ضحكة طلعت من قلبي، ضحكة كلها مرارة السنين اللي فاتت: “عشرة عمر؟ فاكر لما قلتلي إني ريحتي بصل وعجزت؟ فاكر لما كنت بتيجي تشم ريحة البيت وتخرج تجري عشان مش طايق الوجع؟ أنا كنت في الأوضة دي ببيع سنيني عشان أريحه، وإنت كنت بره بتبيع ذمتك عشان قرشين. الحاج إبراهيم مش بس سابلي الأملاك، ده سابلي ‘تسجيلات صوتية’ وفيديوهات لكل اللي حصل في العشر سنين دول، فيديوهات إنت وعلاء بتطلبوا منه يكتبلكم كل حاجة وهو عيان ومش قادر يتكلم، فيديوهات تثبت إنكم كنتوا بتستنوا مـ,ـوته عشان تنهشوا في بعض.”
سوزي حاولت تنطق، بس أنا قاطعتها بحزم: “إنتي بالذات يا سوزي يا اللي كنتِ بتقولي ‘أنا مش حمل خدمة’، اخرجي من بيتي بالذوق، لأن البيت ده من اللحظة دي بقى ملكي، وأي حد هيقف في طريقي، المحامي مراد معاه أوامر قضائية تطردكم في الشارع.. مش بس عشان الأملاك، ده عشان ‘إهمالكم’ وتعديكم على مريض كان في ذمتكم.”
سيد قعد على الكرسي مهدود، عرف إن اللعبة خلصت، وإن اللي كان بيشوفها “خادمة” بقت هي “السيادة”. خرجوا من البيت واحد ورا التاني، وجوههم محفورة بالخيبة، وأنا وقفت في نص الصالة، بصيت للسما من الشباك، لقيت الغيامة اللي كانت مغطية البيت يوم ما مات.. بدأت تنقشع، والشمس طالعة بتنور كل ركن في المكان اللي كان شاهد على صبري. مسكت صورة الحج إبراهيم، بـ,ـوستها وقلت: “ارتاح يا حج، الأمانة وصلت، وحق تعبي وسنيني رجعلي.. والدرس ده ليهم، وللزمن، إن اللي يزرع جحود، مياخدش غير الحرمان.”
ومن يومها، بقيت “نادية هانم” للكل، بس اللي في قلبي متبدلش؛ فضل زي ما هو، بيعرف يفرق بين الدهب اللي بيلمع، وبين النحاس اللي بيصدي مع أول “اختبار” للدنيا.